في مديح الحبر
تأمّلٌ قصير في الحبر والصبر، وفي النسّاخ، وفي مكتبةٍ غابت عن طرابلس ولم يغب ذكرها.
Specimen folio — replace me
للحبرِ صبرٌ لا يعرفه الكلام. الكلمةُ المنطوقة تخرج من الفم ثم تذوب في الهواء، أمّا الكلمةُ المكتوبة فتنتظر: تنتظر أن تجفّ، وتنتظر قارئها، وقد تنتظره قرونًا.
كان النسّاخ القدماء يصنعون حبرهم بأيديهم. يسحقون العفص، ويضيفون إليه الزاج والصمغ العربي، ويتركون المزيج أيامًا حتى يستوي، ثم يبرون القصبة ويشقّون رأسها، ويجلسون إلى الورق ساعاتٍ طويلةً لا يُسمع فيها إلا صريرُ القلم. لم تكن الكتابة عندهم عجلةً إلى غاية، بل كانت رياضةً للنفس على التأنّي؛ فالحرف الذي يُكتب على عجل يُمحى على عجل. وكان الواحد منهم إذا أخطأ لم يمزّق الورقة، بل كشط الحرف برفقٍ وأعاد كتابته، كأنّه يعتذر إليه.
دار العلم
وفي طرابلس، على هذا الساحل نفسه، قامت يومًا دارٌ للعلم أنشأها بنو عمّار، ويُروى أنّ النسّاخ فيها كانوا يعملون ليلَ نهارَ، وأنّ رفوفها ضمّت من الكتب ما لا يكاد يُحصى. ثم جاء الحصار الطويل، وسقطت المدينة سنة ٥٠٢ للهجرة (١١٠٩ للميلاد)، وغابت الدار عن أخبار المؤرّخين. يقول بعضهم إنّ كتبها أُحرقت، ويقول آخرون إنّها تفرّقت في البلاد بيعًا وفداءً، ولا نعلم على وجه اليقين أيُّ المصيرين كان.
ولعلّ الحبرَ الذي جرى في تلك الغرف لم يذهب كلُّه هباءً؛ فبعضُ ما خُطّ فيها حفظه العلماءُ في صدورهم، وتناقلته الألسنة، وعاد فظهر في كتبٍ أخرى وبلادٍ أخرى. فالمكتبات قد تحترق، أمّا المعنى فيعرف كيف ينجو.
ما يعلّمنا الحبر
هذا ما يعلّمنا إيّاه الحبر: أن نكتب ببطء، وأن نصبر على المعنى حتى ينضج، وأن نؤمن بأنّ النقطة الصغيرة، إذا وُضعت في مكانها، قادرةٌ على أن تحمل عالمًا كاملًا. فالصورة التي تراها خلف هذه الصفحات ليست إلا آلافًا من النقاط، كلُّ واحدةٍ منها لا تقول شيئًا وحدها، أمّا مجموعُها فقلعةٌ وبحرٌ ومدينة.
فلنكتبْ إذن، ولو قليلًا، ولنتركْ للحبر أن يفعل ما يُحسنه: أن ينتظر.

